سيد محمد طنطاوي

193

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والأسوة : القدوة . وقرأ عاصم * ( أُسْوَةٌ ) * بضم الهمزة . والباقون بكسرها . والجمع أسى وإسى - بضم الهمزة وكسرها « 1 » . يقال : فلان ائتسى بفلان ، إذا اقتدى به ، وسار على نهجه وطريقته . وقال الإمام ابن كثير : هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم الأحزاب ، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه - تعالى - . . « 2 » . والذي يقرأ السيرة النبوية الشريفة . يرى أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم كان في هذه الغزوة بصفة خاصة ، وفي غيرها بصفة عامة القدوة الحسنة الطيبة في كل أقواله وأفعاله وأحواله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . لقد شارك أصحابه في حفر الخندق ، وفي الضرب بالفأس . وفي حمل التراب بل وشاركهم في أراجيزهم وأناشيدهم ، وهم يقومون بهذا العمل الشاق المتعب . وشاركهم في تحمل آلام الجوع ، وآلام السهر . . بل كان صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هو القائد الحازم الرحيم ، الذي يلجأ إليه أصحابه عندما يعجزون عن إزالة عقبة صادفتهم خلال حفرهم للخندق . قال ابن إسحاق ما ملخصه : وعمل المسلمون فيه - أي في الخندق - حتى أحكموه ، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له « جعيل » سماه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عمرا ، فقالوا : سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا فإذا مروا بعمرو ، قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « عمرا » وإذا مروا بظهر قال : « ظهرا » . ثم قال ابن إسحاق : وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها تحقيق نبوته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فكان فيما بلغني أن جابر بن عبد اللَّه كان يحدث ، أنهم اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية - أي صخرة عظيمة - ، فشكوا ذلك إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء اللَّه أن يدعو به ، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية ، فيقول من

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 155 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 392 .